اضطراب طيف التوحّد وتأثيره على الأسرة

يُعدّ اضطراب طيف التوحّد (ASD) واحداً من أكثر الاضطرابات النمائية تعقيداً وتأثيراً على الفرد وأسرته، خصوصاً في السنوات الأولى من تشخيصه.
ويؤثر هذا الاضطراب بشكل مباشر على مهارات التواصل الاجتماعي والسلوكيات التكرارية والقدرات التكيفية للأطفال، ما يجعل الأسر أمام تحديات نفسية واجتماعية مستمرة. ولا يمكن فهم أثر التوحّد على الأسرة دون فهم الخلفية العلمية للاضطراب، والعوامل السلوكية والنمائية التي تميّزه، وما يرتبط بها من تحولات عميقة في الأدوار الأسرية والضغوط اليومية.

تشير الدراسات إلى أن كثيراً من الأطفال يُظهرون ارتباطاً شديداً بالروتين، ويواجهون صعوبة في التغيير، ما يجعل سلوكيات مثل: نوبات الغضب، الصراخ، أو الانسحاب الاجتماعي تظهر باستمرار. وهذه السلوكيات لا تؤثر فقط في الطفل، بل تشكّل عبئاً نفسياً مباشراً على الوالدين.

وبحسب دراسة (اولمز) إلى أنّ الأمهات على وجه الخصوص يشعرن بمستوى أعلى من الضغط النفسي نتيجة هذه السلوكيات، حيث يربطن أحياناً بين أعراض التوحّد وبين أخطاء في التربية أو الحمل. هذا الشعور بالذنب يساهم في تدهور الصحة النفسية للأم ويزيد من صعوبة التكيف. (اولمز ٢٠١٥).

لحظة التشخيص: صدمة نفسية وتحوّل جذري في حياة الأسرة

تُعدّ لحظة التشخيص واحدة من أقوى اللحظات تأثيراً في حياة الأسرة. فبعد مرحلة الشكوك والتساؤلات، تأتي لحظة يسمع فيها الوالدان كلمة “توحّد”، لتبدأ معها سلسلة من ردود الفعل النفسية التي قد تشمل:

  • الصدمة
  • الإنكار
  • الحزن
  • الخوف من المستقبل
  • الغضب
  • اللجوء للبحث المكثّف عن علاجات بديلة

وتوصف هذه المرحلة بأنها مرحلة اهتزاز في “التوازن النفسي” للأهل، حيث يسعى الوالدان لفهم معنى التشخيص، ومحاولة التنبؤ بمستقبل الطفل، وإعادة تشكيل توقعاتهم حول التربية والحياة الأسرية. (غيرلي، ٢٠٢٣)

ومن مظاهر الإنكار التي قد يقع فيها الأهل بعد التشخيص فإنّ بعض الأسر تبذل جهداً كبيراً لإثبات أنّ الطفل “طبيعي”، قبل تقبُّل واقع التشخيص. ويُعدّ هذا جزءاً من مراحل “الحزن” الشبيهة بالمراحل المرتبطة بفقدان التوقعات حول مستقبل الطفل.

الأثر العصبي والسلوكي للتوحّد ودوره في زيادة العبء النفسي

تاريخياً، كان يُنظر إلى التوحّد على أنه اضطرابٌ سلوكيٌّ، إلا أنَّ الدراسات الحديثة تضعه ضمن اضطرابات النمو العصبي المرتبطة بطريقة عمل الدماغ ومعالجة المعلومات. ينتج عن هذا الاضطراب اختلاف في الوصلات العصبية، والذي يظهر على شكل:

  • صعوبة في فهم الإشارات الاجتماعية
  • ضعف القدرة على المحاكاة والتقليد
  • تأخر اللغة
  • حساسية زائدة أو منعدمة للأصوات والملمس
  • تكرار السلوكيات بشكل قهري

كما أن حوالي ٢٥-٣٠ بالمئة من أطفال التوحّد لا يطورون لغة وظيفية، بينما يستخدم بعضهم لغة محدودة أو نمطية، ما يجعل التواصل داخل الأسرة تحدياً يومياً

هذا النقص في التواصل يخلق فجوة عاطفية بين الطفل ووالديه، ويزيد من التوتر لأن الوالدين قد لا يستطيعان فهم احتياجات طفلهم أو أسباب نوبات الغضب. (قاساري وتاغر و فلوسبرغ، ٢٠١٣)

كيف تتأثر الأسرة من الناحية النفسية والاجتماعية؟

لا يقتصر تأثير اضطراب طيف التوحد ASD على الطفل وحده، بل يمتد إلى الأسرة بكاملها. ويمكن تلخيص أبرز هذه الآثار كما يلي:

1. الضغوط النفسية المستمرة

ترتفع معدلات القلق والاكتئاب بين الأمهات تحديداً، وقد تصل إلى مستويات سريرية.

وبحسب (اوستن أر) فإن الأمهات غالباً ما يعانين من ضغط عاطفي مستمر بسبب اضطرارهن للبقاء في حالة يقظة دائمة. (اوستن أر توب، ٢٠٠٩)

2. اضطراب العلاقات الزوجية

تشير دراسات متعددة إلى أن روتين الأسرة يتغير بالكامل بعد التشخيص، وغالباً ما تتحمل الأم العبء الأكبر، مما يؤدي أحياناً إلى شعور بعدم التوازن في توزيع المسؤوليات.

3. العزلة الاجتماعية

يتجنب كثير من الأهالي الأماكن العامة بسبب مخاوفهم من ردة فعل المجتمع تجاه سلوكيات الطفل. وقد يؤدي هذا إلى انقطاع العلاقات الاجتماعية وتراجع الدعم المعنوي.

4. العبء الاقتصادي

العلاج السلوكي، جلسات النطق، العلاج الوظيفي، والمراكز الخاصة تشكل تكلفة كبيرة. كما أن بعض الأسر تضطر لتقليل ساعات العمل أو ترك الوظيفة بالكامل لبعض أفرادها.

5. إعادة تشكيل دور الأسرة

تتغير أدوار جميع أفراد الأسرة بما في ذلك الإخوة، وقد يشعرون أحياناً بالإهمال أو التمييز نتيجة التركيز المستمر على احتياجات الطفل المصاب.

أهمية مشاركة الأسرة في التدخل العلاجي

رغم أن رعاية طفل مصاب بالتوحّد تُعدّ تحدياً، إلا أنّ الدراسات تؤكد أن مشاركة الأسرة في العلاج تُعدّ عاملاً أساسياً في نجاح التدخلات السلوكية والتعلمية.

يُظهر (اوستن أر) أنّ:

  • تعليم الأهل أساليب تعديل السلوك يرفع من فاعلية العلاج.
  • التفاعل الإيجابي بين الأهل والطفل يُقلل من السلوكيات السلبية.
  • تطبيق التدريبات في المنزل يساعد على تعميم المهارات.

لكن في المقابل، يؤدي ذلك إلى زيادة الإرهاق، لأن الأهل يجدون أنفسهم أمام ما يشبه “الدوام المستمر” غير منقطع الزمن. (اوستن أر توب، ٢٠٠٩)

هل يمكن القول إن وعي الأسرة والمجتمع يقلل من العبء؟

الإجابة نعم.

إذ إنّ ضعف الوعي لدى المجتمع قد يؤدي إلى تفسير خاطئ لسلوكيات طفل التوحد، وبالتالي يُحمِّل الأسرة مسؤوليةً إضافية بما هو خارج عن إرادتهم واختيارهم ولا يمكنهم التنبؤ به. هذه الظاهرة يمكن تسميتها بـ “ضغط إضافي غير مرئي” يعمق شعور الأسرة بالذنب والعزلة.

فلذلك كلما كان المجتمع أكثر تقبلاً وفهماً للتوحّد، كلما:

  • قلت الوصمة الاجتماعية، وبالتالي خفت العزلة.
  • ارتفع الدعم النفسي للأسر.
  • زادت فرص الدمج.
  • تراجع الخوف من المستقبل.

الخلاصة

إن اضطراب طيف التوحّد ليس مجرد مشكلة نمو لدى الطفل، بل هو تجربة حياتية كاملة تعيد صياغة الأسرة نفسياً واجتماعياً واقتصادياً. تبدأ الضغوط من لحظة التشخيص، ثم تتزايد مع السلوكيات النمطية، ضعف التواصل، والحاجة المستمرة للمتابعة العلاجية.

كما تُظهر المراجع أن الأمهات هن الأكثر عرضة للضغط النفسي، وأن نقص الدعم المجتمعي يزيد الأمر سوءاً. وفي المقابل، فإنّ رفع الوعي، وتوفير خدمات الدعم، وإشراك الأسرة في العلاج، كلها عوامل تخفف من وطأة التحديات، وتُعطي الطفل أفضل فرصة للتطور.

المقالات

مقالات ذات الصلة